فصل: تفسير الآيات (48- 50):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.تفسير الآية رقم (40):

{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (40)}
قلت: {الله}: مبتدأ، و{الذي خلقكم} خبر.
يقول الحق جل جلاله: {الله الذي خلقكم}؛ أظهركم {ثم رزقكم} ما تقوم به أبدانكم، {ثم يُميتكم} عند انقضاء آجالكم، {ثم يُحييكم}؛ عند بعثكم؛ ليجازيكم على فعلكم، أي: هو المختص بالخلق والرزق، والإماتة، والإحياء. {هل من شركائكم}؛ أصنامكم {من يفعل من ذلكم من شيء} أي: الخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، {هل من شركائكم}؛ أصنامكم {من يفعل من ذلكم من شيء} أي: الخلق وارزق والإماتة والإحياء {من شيء} أي: شيئاً من تلك الأفعال؟ فلم يجيبوا، عجزاً، فقال استبعاداً وتنزيهاً: {سبحانه وتعالى عما يشركون}. و{من}؛ الأولى، والثانية، والثالثة: زوائد؛ لتأكيد عجز شركائهم، وتجهيل عَبَدَتِهِمْ.
الإشارة: ذكر الحق تعالى أربعة أشياء متناسقة أنه هو فاعلها، فأقر الناس بثلاثة، وشكُّوا في الرزق، وقالوا: لا يكون إلا بالسبب، والسبب إنما هو ستر لسر الربوبية. فإذا تحقق وجوده في حق العامة ارتفع حق الخاصة، فيرزقهم بلا سبب، لقوله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 2، 3].
قال القشيري: حين قذفك في بَطْنِ أُمّك قد كنت غنياً عن الأكل والشراب بقدرته أو مفتقراً إليه، فأجرى رزقه عليك مع الطمث، على ما قالوا، وإذا أخرجك من بطن أمك رزقك على الوجه المعهود في الوقت المعلوم، فيسر لك أسباب الشُرْب والأكل من لبن الأم، ثم من فنون الطعام، ثم أرزاق القلوب والسرائر، من الإيمان والعرفان، وأرزاق التوفيق؛ من الطاعات والعبادات، وأرزاق اللسان؛ من الأذكار، وغير ذلك مما جرى ذكره. {ثم يُميتكم} بسقوط شهواتكم، ويُميتكم عن شواهدكم، {ثم يحييكم} بحياة قلوبكم، ثم بأن يحييكم بربكم. ويقال: من الأرزاق ما هو وجود الأرفاق، ومنها ما شهود الرزاق، ويقال: لا مُكْنَةَ لك في تبديل خلقك، فكذلك لا قدرة لك على تغيير رزقك. فالمُوَسَّع عليه: رزقه بفضل ربه، لا بمناقب نفسه. والمُقَتّر عليه رزقُه بحُكم ربه لا بمعايب نفسه. اهـ. وبعضه بالمعنى.

.تفسير الآيات (41- 42):

{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42)}
يقول الحق جل جلاله: {ظهر الفسادُ في البر والبحر}، أما الفساد في البر، فكالقحط، وقلة الأمطار، وعدم الريع في الزراعات والربح في التجارات، ووقوع الموتان في الناس والدوابّ، ومحق البركات من كل شيء. وأما في البحر؛ فبكثرة الغرق، وانقطاع صيده. {بما}؛ وذلك بسبب ما {كسبتْ أيدي الناس} من الكفر والمعاصي، ولو استقاموا على الطاعة لدفع الله عنهم هذه الآفات. أظهر فيهم ذلك {ليذيقهم بعض الذي عملوا} أي: ليذيقهم وبال بعض أعمالهم في الدنيا، قبل أن يعاقبهم بجميعها في الآخرة، عن قُنْبل ويعقوب: بنون التكلم. {لعلهم يرجعون} عما هم عليه من المعاصي.
{قل} لكفار قومك {سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبةُ الذين من قبلُ}؛ لتُعاينوا ما فعلنا بهم بسبب كفرهم ومعاصيهم؛ لأنه {كان أكثرُهم مشركين}؛ فدمرناهم، وخربنا ديارهم، فانظروا: كيف كان عاقبتهم، لعلكم ترجعون عن غَيكم.
الإشارة: قال القشيري: الإشارة في البَرِ إلى النَّفْسه، وفي البحر إلى القلب، وفسادُ البرّ بأَكْلِ الحرام وارتكاب المحظورات، وفسادُ البحر من الغفلة والأوصاف الذميمة، مثل سوء العزم، والحسد والحقد، وإرادة الفسوق، وغير ذلك. وعَقْدُ الإصرار على المخالفات من أعظم فساد القلب، كما أنَّ العَزْمَ على الخيرات، قبل فِعْلها، من أعظم الخيرات. ومن جملة الفساد: التأويلاتُ بغير حقٍّ، والانحطاطُ إلى الرُّخَصِ من غير قيام بحقٍ، والإغراق في الدعاوى من غير استحياء. اهـ.
قال الورتجبي: إن الله غلب الإنسانية على الكون؛ طاعةً ومعصية، فإذا رزق الإنسان الطاعة صلح الأكوان ببركتها، وإذا رزق المعصية فسد الحدثان بشؤم معصيته؛ لأن طاعته ومعصيته من تواثير لطفه وقهره، عَلاَ بنعت الاستيلاء على الوجود، فإذا فسادها يؤثر في بَرِّ النفوس وبحار القلوب، ففساد بَرَّ النفوس: فَتْرَتُهَا عن العبودية، وفساد بحر القلب: احتجابه عن مشاهدة أنوارالربوبية. اهـ.
قلت: وقد يقال: ظهر الفساد في بر الشريعة؛ بذهاب حَمَلَتِهَا، ومن يحفظها، ويذب عنها، وفي بحر الحقيقة؛ بقلة صدق من يطلبها، وغربة أهلها، واختفائها حتى اندرست أعلامها، وخفي آثارُها، والبركة لا تنقطع. وذلك بسبب ما كسبت أيدي الناس؛ من إيثار الدنيا على الله؛ ليذيقهم وبال القطيعة، لعلهم يرجعون إليه، إما بملاطفة الإحسان، أو بسلاسل الامتحان.
قال في لطائف المنن: سأل بعضُ العارفين عن أولياء العدد، هل ينقصون؟ فقال: لو نقص منهم واحد؛ ما أرسلت السماء قَطْرَهَا، ولا أنبتت الأرض نباتها، وفساد الوقت لا يكون بذهاب أعدادهم، ولا بنقص أمداداهم، ولكن إذا فسد الوقت كان مراد الله وقوع اختفائهم، مع وجود بقائهم. فإذا كان أهل الزمان مُعْرضين عن الله، مؤثرين لما سوى الله؛ لا تنجح فيهم الموعظة، ولا تميلُهم التذكرة، لم يكونوا أهلاً لظهور أولياء الله تعالى فيهم، ولذلك قالوا: أولياء لله عرائس ولا يرى العرائسَ المجرمون. اهـ.
قال القشيري: {قل سيروا}؛ بالاعتبار، واطلبوا الحقَّ بنعت الافتكار، وانظروا: كيف كان حال من تقدمكم من الأشكال والأمثال؟ وقيسوا عليها حُكْمَكم في جميع الأحوال، {كان أكثرهم مشركين}: كان أكثرهم عدداً، ولكن أقل في التحقيق؛ وزناً وقَدْراً. اهـ.

.تفسير الآيات (43- 45):

{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (45)}
يقول الحق جل جلاله: {فأقمْ وجهَكَ} أي: قوّمه وَوَجّهّه {للدين القَيِّم}؛ البليغ في الاستقامة، الذي لا يتأتى فيه عوج ولا خلل. وفيه، من البديع، جناس الاشتقاق.
والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وأمتُه تبع، أو: لكل سامع. {من قبل أن يأتي يومٌ}؛ وهو البعث، {لا مَرَدَّ له} أي: لا يقدر أحد على رده، {من الله}: متعلّق بيأتي، اي: من قبل ان يأتي من الله يوم لا يردّه أحد، أو بمرد؛ لأنه مصدر، أي: لا مرد له من جهة الله، بعد أن يجيء؛ لتعلق الإرادة به حينئذٍ. {يومئذ يَصَّدَّعُونَ}؛ يتصدّعون، فأدغم التاء في الصاد.
وفي الصحاح: الصدع: الشق، يقال صدعته فانصدع، أي: انشق. وتصدّع القوم: تفرقوا. اهـ. أي: يفترقون؛ فريق في الجنة وفريق في السعير.
ثم أشار إلى غِنَاهُ عنهم، فقال: {من كَفَرَ فعليه كفرُهُ}؛ وبال كفره، لا يحمله عنه غيره. {ومن عمل صالحاً فلأنفسهم يَمْهَدُون} أي: يسوون لأنفسهم في قبورهم، أو: في الجنة ما يسوي لنفسه الذي يمهد فراشه ويُوطئه؛ لئلا يصيبه في مَضْجَعِهِ ما ينغص عليه مَضْجَعَهُ. وتقديم الظرف في الموضعين؛ للاختصاص، أي: فلا يجاوز عمل أحد لغيره.
ثم علل ما أمر به من التأهب، فقال: {ليجزيَ الذين آمنوا وعملوا الصاحات}، أظهر في موضع الإضمار، أي: ليجزيهم، ليدل عى أنه لا ينال هذا الجزاءَ الجميلَ إلا المؤمن، لصلاح عمله. أثابه ذلك {من فضله} أي: بِمَحْضِ تفضله، إذ لا يجب عليه شيء، {إنه لا يُحب الكافرين}، بل يبغضهم ويمقتهم، وفيه إيماء إلى أنه يحب المؤمنين، وهو كذلك، ولاسيما المتوجهين.
الإشارة: أمر الحق تعالى بالتوجه إليه، والتمسك بالطريق التي تُوصل إليه، قبل قيام الساعة؛ لأن هذه الدار هي مزرعة لتلك الدار، فمن سار إليه هنا وعرفه؛ عرفه في الآخرة، ومن قعد هنا مع هواه، حتى مات جاهلاً به، بُعِثَ كذلك، كما هو معلوم. ولا يمكن التوجه والظفر بالطريق الموصلة إليه تعالى إلا بشيخ كامل سلك الطريق وعرفها. ومن رام الوصول بنفسه، أو بعلمه، أو بعقله؛ انقطع لا محالة. قال القشيري: {فأقم وجهك للدين القيّم}: أَخْلِص قصْدَك، وصِدْقَ عَزْمِكَ، بالموافقة للدين القيِّم، بالاتباع دون الاستبداد بالأمر على وجه الابتداع. ومَنْ لم يتأدب بمَنْ هو إمامُ وقته، ولم يتلقف الأذكار ممن هو لسان وقته، كان خُسْرانُه أتَمَّ من ربْحه، ونقصانُه أَعَمَّ من نفعه. اهـ.

.تفسير الآية رقم (46):

{وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46)}
قلت: {وليذيقكم}: عطف على {مبشرات}؛ على المعنى، كأنه قيل: لتبشركم وليذيقكم، أو: على محذوف، أي: ليغيثكم وليذيقكم.
يقول الحق جل جلاله: {ومن آياته} الدالة على كمال قدرته: {أن يُرسلَ الرياحَ}، وهي الجَنُوبُ، والصَّبا، والشمال والدَّبُورُ، فالثلاث: رياح الرحمة، والدبور: ريحُ العذاب، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم اجعلها رياحاً، ولا تجعلها ريحاً» وقال: «نُصرْتُ بالصِّبَا، وأُهْلِكتَ عادٌ بالدَّبُورُ»، وهي الريح العقيم. وقرأ ابن كثير والأَخَوان: بالإفراد، على إرادة الجنس.
ثم ذكر فوائد إرسالها بقوله: {مبشرات} أي: أرسلها بالبشارة بالغيب {وليُذِيقَكُم من رحمته}؛ ولإذاقة الرحمة، وهي نزول المطر، وحصول الخصب الذي يتبعه، والرّوح الذي مع هبوب الريح، وزكاء الأرض، أي: ربوها وزيادتها بالنبات، وغير ذلك من منافع الرياح والأمطار. قال الحسن: لو أمسك الله عن أهل الأرض الريح ساعة لَمَاتُوا؛ غَمَّا.
{ولِتجريَ الفلكُ} في البحر عند هبوبها {بأمره}؛ بتدبيره، أو بتكوينه، لقوله: {إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً...} [يس: 82] الآية. قيل: إنما زاد بأمره؛ لأنها قد تهب غير مُوَاتِيَةٍ، فتُغرق، وهي عند أمره أيضاً، فهي على حسب أمره، ولأن الإسناد وقع للفلك؛ مجازاً، فأخبر أنه بأمره، {ولتبتغوا من فضله}، يريد به تجارة البحر، {ولعلكم تشكرون} هذه النعم؛ فيزيدكم من فضله.
الإشارة: ومن آياتِ فَتْحِهِ على أوليائه: أن يرسل رياح الهداية أولاً، ثم رياح التأييد، ثم رياح الواردات، تحمل هدايا التَّعَرُّفَاتِ، مبشرات بالفتح الكبير، والتمكين في شهود العلي الكبير، وليذيقكم من رحمته، وهي حلاوة معرفته، ولتجريَ سفن الأفكار في ميادين بحار توحيده، ولتبتغوا من فضله، هو الترقي في الكشوفات والعلوم والأسرار، أبداً سرمداً، ولعلكم تشكرون؛ بالقيام برسوم الشريعة وآداب العبودية.
قال القشيري: يرسل رياحَ الرجاءِ على قلوب العُبَّاد، فتكنس قلوبهم من غبار الحسد وغُثَاء النفس، ثم يرسل عليها أمطار التوفيق، فتحملهم إلى بساط الجُهْدِ، وتكرمهم بقوى النشاط. ويرسل رياحَ البَسْطِ على أرواح الأولياء فتطهرها من وَحْشَةِ القبض، وتنشر فيه لذاذات الوصال، ويرسل رياحَ التوحيد فتهب على أسرار الأصفياء، فتطهرها من آثار الأغيار، وتبشرها بدوام الوصال، فذلك ارتياحٌ به، ولكن بعد اجتناحٍ عنك. اهـ. أي: بعد ذهابٍ عنك وزوال. والله تعالى أعلم.

.تفسير الآية رقم (47):

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)}
قلت: {حقاً}: خبر {كان}، و{نصر}: اسمها. أو: {حقاً}: خبر {كان}، واسمها: ضمير الانتقام، فيوقف عليه، و{علينا نصر}: مبتدأ وخبر.
يقول الحق جل جلاله: {ولقد أرسلنا مِن قبلك رسلاً إلى قومهم فجاءهم بالبينات}؛ بالمعجزات البينات الواضحات، فكذبوهم؛ {فانتقمنا من الذين أجرموا} بالتدمير، {وكان حقاً علينا نصرُ المؤمنين} أي: وكان نصر المؤمنين، بإنجائهم من العذاب، حقاً واجباً علينا بإنجاز وعدنا؛ إحساناً. أو: وكان الانتقام من المجرمين حقاً لا شك فيه، ثم علينا، من جهة الإحسان، نصر المؤمنين. قال البيضاوي: فيه إشعار بأن الانتقام لهم- أي: من عدوهم- إظهار لكرامتهم، حيث جعلهم مستحقين على الله أن ينصرهم. وعنه. صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يُردّ عن عِرْضِ أَخِيه، إلا كان حقاً على الله أن يردّ عنْه نارَ جهنم»، ثم تلا الآية. أي: {وكان حقاً علينا..} إلخ. الإشارة: هكذا جرت سُنَّة الله تعالى، مع خواصه، أن ينتقم ممن آذاهم، ولو بعد حين. وقد يكون الانتقام باطناً، بنقص الإيمان وقساوة القلب، وهو أقبح. قال القشيري: فانتقمنا من الذين أجرموا، وأخذناهم من حيث لا يحتسبوا، وشَوَّشْنا عليهم ما أمَّلوا؛ ونقصنا عليهم ما استطابوا وتَنَعَّموا. {وكان حقاً علينا نصرُ المؤمنين}. وَطِئَهُمْ أَعْدَاؤُهُمْ بأعقابهم فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى رَقَّيْنَاهُمْ فوق رقابهم، وخرَّبنا أوطانهم، وهدَّمنا بنيانهم، وأخمدنا نيرانهم، وعَطَّلْنا عليهم ديارَهم، ومحونا، بقهْر التدمير، آثارَهم، فظَلتْ شموسُهم كاسفة، ومكيدةُ قهْرنا لهم، بأجمعهم، خاسفة. اهـ.

.تفسير الآيات (48- 50):

{اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49) فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50)}
يقول الحق جل جلاله: {اللهُ الذي يُرسل الرياحَ} الأربع. وقرأ المكي: بالإفراد. {فتُثير} أي: تزعج {سحاباً فيبسُطُه في السماء} أي: يجعله منبسطاً، متصلاً بعضه ببعض في سَمت السماء، كقوله: {وَفَرْعُهَا فِي السمآء} [إبراهيم: 24]، أي: جهته. فيبسطها في الجو {كيف يشاء}؛ سائراً أو واقفاً، مطبقاً وغير مطبق. من ناحية الشمال أو الجنوب، أو الدََّبُورِ، أو الصَّبَا، {ويجعله كِسَفا} أي: قطعاً متفرقة. والحاصل: أنه تارة يبسطه متصلاً مطبقاً، وتارة يجعله قطعاً متفرقة، على مشيئته وحكمته. {فترى الوَدْقَ}؛ المطر {يَخْرجُ من خِلاله}؛ وسطه.
{فإِذا أصاب به}؛ بالودق {من يشاء من عباده}، يريد إِصابةَ بلادهم وأراضيهم {إذا هم يستبشرون}؛ يفرحون بالخصب، {وإن كانوا من قبل أن يُنَزَّل عليهم} المطر {من قبله لمُبلسينَ}؛ آيسين، وكرر {من قبله}؛ للتوكيد، وفائدته: الإعلام بسرعة تقلب قلوب الناس من القنوط إلى الاستبشار، أو: على أن عهدهم بالمطر قد تطاول؛ فاستحكم يأسُهُم، فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك.
{فانظرْ إلى آثار رحمةِ الله} أي: المطر {كيف يُحيي الأرضَ} بالنبات وأنواع الثمار {بعد موتها}؛ يبسها {إن ذلك} أي: القادر عليه {لمحيي الموتى}؛ فكما أحيا الأرض بعد يبسها يحيي الأجساد بعد رميمها، {وهو على كل شيءٍ قدير} وهذا من جمل مقدوراته تعالى.
الإشارة: الله الذي يرسل رياح الواردات الإلهية، فتنزعج سحاب الآثارعن عين الذات العلية، فتبقى شمس العرفان، ليس دونها سحاب، فيبسطه في سماء القلوب كيف يشاء، فيقع الاحتجاب لبعضها، ويصرفه عمن يشاء فيقع التجلي والظهور، ويجعله كسفاً لأهل الاستشراف، فتارة ينجلي عنهم سحاب الآثار، فيشاهدون الأنوار، وتارة تغطيهم سُحب الآثار، فيشاهدون الأغيار، فترى مَطَرَ خَمْرَةِ الفناءِ تخرج من خلاله، فإذا أصاب به من يشاء من عباده، إذا هم يستبشرون بأنوار معرفته وأسرار ذاته. وقد كانوا قبل ذلك مبلسين، آيسين، حين كانت نفوسهم غالبةً عليهم. فانظر كيف أحيا أرض قلوبهم بعد موتها بالجهل والغفلة. وهذا مثال من كان منهمكاً ثم سقط على شيخ ذي خمرة أزلية، فسقاه حتى حَيِيَ بمعرفة الله.
قال القشيري: الله الذي يرسل رياح عَطْفِه وجُودِه، مبشراتٍ بجوده ووَصْله، ثم يُمْطِر جودَ غيثِه على أسراره، ويطوي بساطَ الحشمة عن مناجاة قُرْبِه، وبضرب قبابَ الهيبة بمشاهد كَشْفِه، وينشر عليهم أزهار أُنْسِه، ثم يتجلَّى لهم بحقائق قُدْسِه، ويسقيهم بيده شراب حُبِّه. وبعد ما محاهم عن أوصافهم؛ أصحاهم، لا بهم، ولكنْ بِنَفْسه. والعبارات عن ذلك خُرْسٌ، والإشارات، دونه، طُمْسٌ.
وقال في قوله تعالى: {فانظر إلى آثار رحمة الله...} الآية: يحيي الأرض بأزهارها وأنوارها عند مجيء أمطارها، ليُخرجَ زَرْعَها وثمارَها، ويحي النفوس بعد تَفْرِيقها، ويوفقه للخيرات بعد فترتها، فتعمر أوطان الوفاق بصدق إقدامهم وتندفع البلايا عن الأنام ببركات أيامهم وتحيي القلوبُ بعد غفلتها بأنواع المحاضرات فتعود إلى استدامة الذكر بحُسْنِ المراعاة ويهتدي بأنوار أهلها أهلُ العصر من أهل الإرادات ويحيي الأرواح بعد حجْبتَها بأنوار المشاهدات فتطلع شموسُها من بُرْجِ السعادة ويتصل بمشامِّ أسرار الكافة نسيمُ ما يُفيض عليهم من الزيادات فلا يبقى صاحبُ نَفَسٍ إلا حَظِيَ منه بنصيب ويُحْيي الأسرارَ بأنوار المواجهات.
وما كان لها إلا وَقْفَةٌ في بعض الحالات فتنتفي بالكلية آثارُ الغَيْرِيَّةِ ولا يَبْقَى في الديار ديَّار ولا من سكانها آثار وسَطَواتُ الحقائق لا تثبت لها ذَرَّةٌ من صفات الخلائق؛ هنالك الولاية لله الحق.. انتهى المراد منه مع زيادة بيان.